الشيخ محمد آصف المحسني

47

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

كالعلية والمعلولية والمحركية والمتحركية والايجاب والسلب ، فهو على تقدير تماميته أجنبي عن المقام ، إذ التنافي بين السلب والإيجاب إنّما يتحقق إذا تواردا على مورد واحد بشروط مقررة ، وإلا فلا منافاة بينهما ، كوجود الحركة وعدم السكون ، أو وجود الاستقبال وعدم الاستدبار ، وهكذا ، والمقام كذلك ، فإنّ عدم الأشياء وسلبها عنه لا ينافي وجوده تعالى فتدبر جيداً . ثم إنّ لصاحب الأسفار وجهاً آخر على إثبات هذه القاعدة ، وهو : أنّ معطي الكمال لا يكون فاقداً له . قال في فنّ ربوبيات أسفاره : وهو كل الأشياء على وجه أبسط ؛ وكذلك لأنّه فاعل كل وجود مقيد وكماله ، ومبدأ كل فضيلة أولى بتلك الفضيلة من ذي المبدأ ، فمبدأ كل الأشياء وفيّاضها يجب أن يكون هو كل الأشياء على وجه أرفع وأعلى . . . إلى آخره . أقول : فيه أولًا أنّ الوجود الإمكاني إنّما هو كمال للممكن دون الواجب ، كما عرفت وجهه آنفا ، ولا شك أنّ الواجب بصفته كامل مطلق ، فاقد للنقص والحاجة . وثانياً : أنّ العلل الموجبة هي التي لا تخلو عن معاليلها بنحو مندمج ، وأمّا من ليست فاعليته بنحو الشرح ، بل الاختيار والإبداع لا من شيء ، فلا يجري فيه هذا الكلام . نعم ، لا شك أنّ معطي كل شيء لا يكون عاجزاً عن إعطائه انه ينتقض بنفي التركب ، فإن مخلوقاته ومعاليله أو معظّمها مركبة ، ومعطى الشيء لا يكون فاقده . فهو في بساطة حقيقته مركب بوجه أعلى وأرفع ! ! . فتحصل : أنّ ما تفوه به من كون بسيط الحقيقة كل الأشياء باطل ضعيف لا أساس له أصلًا ، ومنه انهدمت الكثرة في الوحدة ؛ لأنّها نفس هذه القاعدة الزائفة . وأمّا الوحدة في الكثرة فملخّصها : أنّ كل موجود ممكن له أمور : 1 - ماهية . 2 - وجود . إضافة وجوده إلى ماهيته . والأول والثالث اعتباريان ، والثاني هو الوجود المنبسط . قال في الأسفار « 1 » : فالحقائق موجودة متعدد في الخارج ، لكنّ منشأ وجودها وملاك تحققها أمر واحد وهو حقيقة الوجود المنبسط بنفس ذاته لا بجعل جاعل ، ومنشأ تعددها تعينات اعتبارية . أقول : إن فرض الوجود المنبسط واحداً شخصياً لبطل هذا التكثر المحسوس الواقع في الوجودات ، ولا يمكن تستّره بالكلمات الفارغة عن المعنى أبداً . وإن لم يكن بواحد شخصي فقد بطل الوحدة في الكثرة . وعلى أي تقدير هذا الوجود فعله تعالى ، ولا بد من الحكم بإمكانه ، بل بحدوثه كما مرّ برهانه ، والتفوه بأنّه أثر الواجب وشأنه وأثر لشيء لا نفسه ولا غيره مما يبطله

--> ( 1 ) - 2 / 321 .